الشيخ محمد رشيد رضا

242

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ونؤمن بان اللّه تعالى قد منحنا رسلا هدونا بآياته إلى الخروج من مضيق مدارك الحس ، وما يستنبطه الفكر منها بادي الرأي ، إلى ماوراءها من سعة عالم الغيب ، ولولا هدايتهم لظل البشر ألوف الألوف من السنين ينكرون وجود ما لم يكونوا يدركونه بحواسهم من الأجسام وأعراضها ، وبقياسهم ما جهلوا على ما علموا منها . وقد علمنا من التاريخ ان الايمان باللّه وبآياته لرسله وباليوم الآخر وبما يكون فيه من الحساب والجزاء على الاعمال هو الذي وجه عقول البشر إلى البحث في أسرار الوجود حتى وصلوا إلى ما وصلوا اليه من الارتقاء في العلوم والفنون والصناعات في الأجيال المختلفة ، ولم يكن لغير المؤمنين بالغيب نصيب في ذلك - فهذا الايمان بالأركان الثلاثة من الغيب هو الذي أوصل البشر إلى علوم وأعمال كان يعدها غير المؤمنين بالغيب من محالات العقول كالغيب الذي أنكروه ، حتى لم يعد شيء من أخبار الغيب بعيدا عن العقل بعد ثبوتها فتبين لنا بهذا وبما قبله انه كان للبشر بآيات الأنبياء ثلاث فوائد هي من حكم نصبه تعالى لتلك الآيات ( الأولى ) جعلها دليلا حسيا على اختياره تعالى في جميع أفعاله وكون سنن النظام في الخلق خاضعة له لا حاكمة عليه ولا مقيدة لإرادته وقدرته ( الثانية ) جعلها دليلا على صدق رسله فيما يخبرون عنه بوحيه ونذرا للمعاندين لهم من الكفار ، ولو كانت مما يقدر عليه البشر بكسبهم أو تقع منهم باستعداد روحي لما كانت آية على صدقهم ( الثالثة ) هداية عقول البشر برؤيتها إلى سعة دائرة الممكنات ، وضيق نطاق المحال في المعقولات ، وإلى أن كون الشيء بعيدا عن الأسباب المعتادة والأمور المعهودة والسنن المعروفة ، لا يقتضي أن يكون محالا يجزم بعدم وقوعه ، وبكذب المخبر به ، مع قيام الدليل على صدقه ، وإنما غايته أن يكون الأصل فيه عدم الثبوت فيتوقف ثبوته على الدليل الصحيح وهذه قاعدة كبار علماء الكون في هذا العصر ، فلا ينقصهم لتكميل علمهم إلا ثبوت آية للّه تعالى لا يمكن أن يكون لها علة من سنن الكون ولكن الامر قد انقلب إلى ضده فان كثيرا من الذين وصلوا إلى هذه العلوم